قال تعالى: (وَاذْكُرُواْ إِذْ أَنتُمْ قَلِيلٌ مُّسْتَضْعَفُونَ فِي الأَرْضِ تَخَافُونَ أَن يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُم بِنَصْرِهِ الحمد لله رب العالمين , الذي خلق الإنسان في أحسن تقويم , وعلمه البيان في القرآن العربي المبين , وجعله أفضل مخلوقاته , القائل : (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ) " الحجرات : 13" والصلاة و السلام على رسول الله , المبعوث رحمة للعالمين ؛ الذي اختاره الله من البشر , ليكون خاتم الأنبياء و المرسلين , واصطفاه لرسالته , وجعله الإنسان الكامل , ليكون القدوة و الأسوة , و النموذج الفذ لبني الإنسان.
وبعد : يشهد العالم كله ما يمكن تسميته بصحوة الأقليات القومية أو الإثنية , والأقليات الدينية أو اللغوية , والقبلية في أفريقيا على وجه التحديد , والتي طالبت بحقوقها المشروعة من أنياب الطغيان . وهذه الظاهرة ليست جديدة على العالم العربي و الإسلامي , فمعظم الصراعات الأهلية العربية المسلحة منذ نهاية الحرب العالمية الثانية , كانت حول هذه المسألة . بل أن الصراع الرئيسي في المنطقة , وهو الصراع العربي - الإسرائيلي حول فلسطين , لم يستنزف من الدماء قدر ما استنزفته الصراعات الأهلية المسلحة , فهذه الأخيرة قد استنزفت ثلاثة أمثال ما استنزفه الصراع العربي - الإسرائيلي من الدماء .
إن عدد من استشهدوا في كل الحروب مع إسرائيل يقدر بحوالي 150 ألفا , بينما يقدر عدد من قتلوا في الحرب الأهلية في ثلاثة أقطار عربية فقط هي العراق ولبنان والسودان , بحوالي نصف مليون من مواطني هذه الأقطار .ونفس الشيء ينطبق على الموارد المالية والمادية الأخرى . نحن إذن أمام ظاهرة عالمية و إقليمية و محلية , رغم حجمها و عمقها , إلا أنها لم تعطى حقها من الاهتمام العالمي . نظرا لحساسيتها البالغة وللظروف السياسية الخاصة , التي كانت عليها معظم دول العالم التي عانت من الاستعمار ومن مخلفاته , الذي أنعكس على الأقليات سلبيا , وبدون مبرر واضح , سوى الاتهامات العشوائية بالعمالة و التواطئ . وتأتي أهميه البحث في حقوق الأقليات , أن أكثر من 85% من سكان الوطن العربي يكونون مجموعة متجانسة لغويا ودينيا وثقافيا , إلا أنه توجد عدة تكوينات بشرية عرقية تختلف عن هذه المجموعة العربية الرئيسة سواء في الدين أو اللغة أو الثقافة أو السلالة . والعبرة هنا هي ما إذا كان لأي من هذه المتغيرات وزن ظاهر في إحساس أي جماعة باختلافها عن الأغلبية المحيطة بها , وترجمة هذا الإحساس إلى سلوك ومواقف سياسية متميزة في قضايا مجتمعية رئيسية .
لم يتعرض الفكر القومي للدور الاجتماعي لهذه الأقليات بشكل متعمق , ولم يحاول التعرف على همومها ومشكلاتها , ولم يأخذ موقفا صريحا من رغباتها المشروعة في المحافظة على تكاملها وتراثها الحضاري , ومع ما قد يوجد لدى بعضها من آمال قومية خاصة . ويبدوا أن كثيرا من كبار المفكرين القومين قد تصوروا أنه بتجاهلهم لمسألة الأقليات , فأنها قد تذوب وتنصهر في الجسم الأكبر , أو قد تختفي المشكلة . هذا ولا يخفى أن الشريعة الإسلامية منذ بدايتها قد اعترفت بوجود " الملل و النحل " - أي الأقليات و الطوائف الدينية - وبمشروعية اختلافها مع الأغلبية المسلمة في شئون عقيدتها وأفرد للموضوع كثيرا من الأحكام التي تنظم العلاقة بين المسلمين في دار الإسلام . ولم يكن تجاهل العمل الوحدوي لموضوع الأقليات بأقل من تجاهل الفكر القومي لها , فالأقليات لم تُدع للمشاركة في أي مجهود وحدوي . وربما يقال إن الجماهير العربية نفسها لم تُعط الفرصة للمشاركة الحقيقية في العمل الوحدوي , أو أي عمل سياسي آخر .
ولكن عدم اشتراك الأقليات يكتسب حساسية وخطورة في ظل حالتين:
أولاهما , أن يكون حجم وتميز أحدى هذه الأقليات كبيرا نسبيا في قطر معين ( مثل لبنان والعراق والسودان ) , وتكون عناصرها البشرية مركزة جغرافيا في منطقة واحدة داخل هذا القطر .
وثانيتها , حماس وإقبال النخبة الوطنية الحاكمة في هذا القطر على مشروعات العمل الوحدوي , هنا قد تحس الأقلية بخطر داهم , يهدد حقوقها ومصالحها , وأيضا على كيانها الاجتماعي وتراثها الحضاري . وبالتالي يحدث انفجار , في شكل عصيان مسلح أو حرب أهلية . وتنصرف القيادة في هذه الحالة عن مشروع التوحيد القومي إلى تعبئة طاقاتها للمحافظة على وحدتها الوطنية للمحافظة على الوحدة الوطنية تسيل دماء غزيرة , وتنفق ملاين عديدة وتتعثر مشروعات التوحيد السياسي و التكامل الاقتصادي العربي و التنمية بمفهومها الواسع .
سبب اختيار الموضوع :
السبب الأول : إذ يذكر بأن الجماعات والأقليات المسلمة التي تعيش في الدول غير الأعضاء في منظمة المؤتمر الإسلامي تمثل من حيث العدد ما يزيد على ثلث الأمة الإسلامية.
السبب الثاني : محاولة للوصول أن لا خلاف بين القانون الدولي للحقوق الإنسان والشريعة الإسلامية , في تبني حقوق الأقليات , كما قد يتصور البعض , من الذين يشوهون مفاهيم و مبادئ الإسلام العالمية , بدعوى نبذ كل ما يخالف أهوائهم , وجعل الإسلام في المواجهة مع الغير.
السبب الثالث : هو محاولة الخروج برؤية قانونية وشرعية لعلاقة الأقليات بالدول المعاصرة , وعلى رأسها الدول العربية و الإسلامية , في ظل المعاهدات و المواثيق الدولية .
أولاً:- مفهوم الأقلية لغاً:
تشير معاجم اللغة إلى مادة "قلل" التي اشتقت منها كلمة الأقلية, وفى لسان العرب: "قلل" القلة خلاف الكثرة, والقل خلاف الكثر و قوم قليلون, أقلاء,قلل, قليلون ويكون ذالك في قلة العدد ورقة الجثة,وقوم قليل أيضا. قال تعالى( وَاذْكُرُواْ إِذْ كُنتُمْ قَلِيلاً فَكَثَّرَكُمْ ) الأعراف-أية 86. والقل والقلة مثل الذل و الذلة. وفى حديث ابن مسعود" الربا و إن كثر فهو إلى قل" , و القل من الرجال الخسيس الدين, قدم علينا قلل من الناس إذا كانوا من قبائل شتى متفرقة ويشير معجم القرآن الكريم إلى أن الكلمة في القرآن تشير إلى النقص كقولة تعالى (كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً ) "البقرة- أية 249" وقولة تعالى عن فرعون ( إِنَّ هَؤُلَاء لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ ) "الشعراء-أية54" وبالتأمل في الدلالة اللغوية للمادة التي اشتقت منها كلمة أقلية نلاحظ بعض الدلالات:
1- استخدمت الكلمة للتعبير عن دلالة كمية تقابل الأكثر, ( وَاذْكُرُواْ إِذْ كُنتُمْ قَلِيلاً فَكَثَّرَكُمْ )"الأعراف- أية 86"
2-استخدمت لتعبر عن دلالة كيفية لا تجعل العدد معياراً لها كما في حديث ابن مسعود:"الربا و إن كثر فهو قل" فالقلة هنا تعبير عن حالة كيفية العدد المجرد ليس معياراً لها.
3- وتشير الكلمة إلى تجمع الأشتات المتفرقين من أصول عرقية متعددة, وهو ما يشير إلى نفس الدلالة التي يشير إليها المصطلح في العلوم المعاصرة, وهذا واضح جداً في قولة:" قدم علينا ُقلل من الناس إذا كانوا من قبائل شتى متفرقين.
ثانيا :- مفهوم الأقلية في القانون الدولي العام أن دراسات الأمم المتحدة لم تجمع على تعريف محدد حتى الآن, خوفاً من أن يؤدي أي تعريف مطلق إلى عدم استفادة جميع الأقليات أو حرمان بعضها من الحماية التي وفرتها الأمم المتحدة من خلال لجنة حقوق الإنسان و اللجنة المتفرعة عنها, وهي اللجنة الخاصة بمنع التمييز وحماية حقوق الأقليات " دون أن يعني ذلك تدخلاً في شئون الدولة الداخلية". باعتبار أن فئة حقوق الأقليات ليست حقوقاً فردية, وإنما تمارس بإطار جماعي. لذلك فإن تحديد مدلول الأقليات يجب أن يأخذ بنظر البعض, النواحي التالية,مجتمعة:
1-يجب أن يكون عدد أفراد جماعة الأقلية كافياً نسبياً, فلا يكفى أن توجد مجموعة صغيرة من الأسر أو الأفراد لا تشكل بحد ذاتها مجموعة بشرية متميزة وفقاً لنظرة المجتمع إليها.
2-أن تقوم بين هؤلاء الأفراد روابط مشتركة أثنية أو لغوية أو دينية تجعل منهم فئة مختلفة عن باقي السكان .
3-أن يعي أفراد هذة الجماعة طبيعة الروابط القائمة بينهم , و أن يرغبوا في المحافظة عليها.
4-هذه الاعتبارات يجب توافرها مجتمعة حتى يمكن أن يطلق على فئة ما صفة الأقلية, لان حقوق الأقليات تنصب على الروابط المشتركة التي تربط بين أفرادها و ليس على أفرادها بصفتهم الفردية.
أخذت اللجنة الفرعية لمنع التميز وحماية الأقليات في عام 1977م, بهذا المعيار العددي, حيث اعتمدت في ذالك على دراسة الإيطالي " فرانسيسكو كابوتورتي" المعنونة: حقوق الأشخاص المنتمين إلى الأقليات الإثنية و الدينية و اللغوية طبقاً للمادة27 من العهد الخاص بالحقوق المدنية و السياسة" وقد اعتمد, تعريفاً مؤقتاً للأقليات,أي نسبة مجموعة من السكان إلى باقي السكان. فقد عرف الأقلية بأنها: " مجموعة أقل عدداً بالنسبة إلى باقي السكان في الدولة التي ينتمون إليها, وتمتلك هذه المجموعة خصائص ثقافية طبيعية أو تاريخية, أو دين أو لغة تختلف عن باقي السكان وقد كانت المعاهدات الخاصة بالأقليات التي أبرمت في أعقاب الحرب العالمية الأولى, قد أخذت بهذا المعنى , إذ, حددت الأقلية, بأنهم: : سكان الدولة الذين يختلفون عن الأغلبية الساحقة في العنصر أو اللغة أو الدين" .
ثالثا : مفهوم الأقلية في الشريعة الإسلامية الأقلية هي " الجماعة التي تعيش داخل المجتمع الإسلامي على سبيل الاستقرار(الدوام), ولها حكم شرعي مختلف عن أحكام الجماعة المسلمة أو التي فارقت الجماعة المسلمة بتأويل ديني لا يسوغ" فلا يعد أقلية من وجهة النظر الإسلامية الأجانب الذين يدخلون بغرض التجارة أو السياحة مثلاً , لأن إقامتهم طارئة. وينظم العلاقة بين الجماعة المسلمة و الأقلية ( الحكم الشرعي) لا معيار الأغلبية أو الأقلية العددية, ويقصد بالحكم الشرعي اجتهاد ولى الأمر في تحديد الأوضاع المنظمة لتواجد الأقليات في المجتمع المسلم بما لا يتعارض مع المقاصد العامة للشريعة أو نصوصها القطعية . ويعد أقلية من فارق إجماع المسلمين بتأويل ديني لا يسوغ أي لا تجيزه قواعد اللغة و الشرع, وهذه تسمى الجماعات المخالفة لإ جماع الأمة , ويدخل ضمن هؤلاء,البهائيون , الإسماعيلية, القيدانيون… وغيرهم . وهؤلاء ينتمون إلى الإسلام و لكنهم ليسوا منه. بتعبير" عبد القاهر الجرجاني" ونظراً, لعدم وجود مساواة, بسبب التعصب القومي الأعمى الذي يغمط حق الغير في التعبير عن ذاته وهويته , فلا تحرم الأقليات الإسلامية, من هويتها اللغوية ,الثقافية, اليوم في كثير من دول العالم الإسلامي,لأن الشريعة الإسلامية كفلت لها ذالك , على مر العصور.
فماذا نسمي وجود اللغة التركية والفارسية,والعربية, وغيرها في الدولة المملوكية والعثمانية, كلغة دين ودولة وثقافة. وفي ضوء ما تقدم, و بالقدر الذي استطاعت, من عرضة أو مقارنتة, , فإنه يمكن القول, إنه لا يوجد هناك تعريف جامع مانع لتعبير الأقليات, لأن أي تعريف, يجب أن يتفادى صعوبتين:
الأولى:- أن يكون التعريف واسعاً, مما يجرده من أية فائدة.
الثانية:- أن يكون ضيقاً, مما يؤدي إلى عدم دقتة وشموليتة.
ومما يزيد من صعوبة الأمر . أن تعريف الأقليات, أو الانطلاق لحصر أبعاد المفهوم أو ضبطة, إنما هي مسألة ليست بالسياسية أو الاجتماعية, وحسب, وإنما تتعلق باجوانب قانونية أيضاً. ومن هنا, فإننا نعني بالأقلية أو الأقليات - كمفهوم- " تلك الجماعات الفرعية من سكان دولة ما, والتي يشترك أفرادها بواحدة أو أكثر من المقومات الطبيعية, كاللغة, أو الدين أو العرق أو القبيلة - وبذات في المجتمعات البدائية- أو بانتمائهم إلى قومية خاصة, بما يميزهم عن الأغلبية العددية " الأكثرية" في الدولة, مما ينشأ عنة اختلاف في وضعهم الاجتماعي سلباً أو إيجابا عن الأغلبية العددية, مع وعي أو إدراك كلا الطرفين (الأقلية و الأغلبية) بذلك التميز أو الاختلاف, ودون أن يمثل ذالك ظاهرة مرضية أو شاذة, بل أن وجودة الأقليات في الدولة, إنما هو ظاهرة طبيعية, ولا تكاد تخلو منها دولة في العالم, " بيد أن ما يجعل منها ظاهرة مرضية, إنما هي المطالب غير الاعتيادية لبعض الأقليات, بما يتعارض ووحدة الدولة و أمنها الوطني, أو نتيجة سوء إدارة النظام السياسي للمشكلات التي تنتج عن وضع الأقليات,أو بفعل تدخل دولي خارجي يسعى إلى تحقيق مصالح غير مشروعة.
رابعاً أسباب وجود الأقليات :
ويعود منشأ الأقلية في الدولة إلى أسباب منها:
1- وجود مجموعات سكانية تعيش إلى جانب بعضها البعض في منطقة واحدة، وتختلف في انتماءاتها القومية أو الأثنية أو الدينية أو اللغوية عند تأسيس الدولة، حيث يجري ضم هذه المجموعات في كيان سياسي واحد، تصبح فيه بعض الجماعات أقليات مقارنة بالأغلبية المختلفة عنها، مثلا العراق (مسلمين وصابئة ومسيحيين، وعرباً وأكرادا وتركماناً وكلد و آشوريين)، وإيران ( وقوميات فارسية وتركية كبيرة وأخرى صغيرة كالكردية والعربية والتركمانية والبلوشية، وأقليات يهودية وارمنية وزرادشتية)، ومصر (مسلمين وأقباط)، ولبنان (عرب ودروز ومارونيين، ومسلمين ومسيحيين وأرمن..)، وفي العديد من الدول الأفريقية والآسيوية والأوربية.
2- قيام دولة بضم أو احتلال إقليم مجاور كما جرى لدروز الجولان في إسرائيل، والبوسنة التي ضمت إلى النمسا، أو إقليم كوسوفو من قبل يوغسلافيا.
3- سقوط أوانسحاب الدولة عن الإقليم لتترك أقليات تختلف عن السكان الأصليين، كما حدث في الهند حيث وجدت الأقلية المسلمة، أو الأقليات التركية في بلغاريا وألبانيا واليونان.
4- تحول مجموعة من أهل البلاد الأصليين إلى دين آخر مما يحولهم إلى أقلية دينية، كما حدث في الفلبين وسنغافورة و سيرلانكا وغيرها حيث اعتنقت مجموعات سكانية الإسلام.
5- هجرة مجموعات سكانية من بلدها الأصلي إلى بلد آخر طلباً للرزق والعمل أو بحث عن ملاذ آمن. كما هو الحال في الأقليات المسلمة في أوربا الغربية وأمريكا وكندا وأستراليا وبلدان أمريكا اللاتينية حقوق الأقليات في القانون الدولي للحقوق الإنسان في الفترة التي أعقبت الحرب العالمية الأولى نشأت عدة دول جديدة تضم أقليات دينية وقومية عديدة. الأمر الذي انعكس على المعاهدات الدولية التي تضمنت بنوداً واضحة تنص على حماية الأقليات فيها كما في معاهدات الصلح الأربع التي أبرمت مع كل من النمسا والمجر وبلغاريا وتركيا، وفي المعاهدات الخاصة التي عقدت مع بعض الدول الناشئة كبولونيا ويوغسلافيا.
وكانت هذه البنود تشتمل على ضمانات خاصة للأقليات تعهدت الدول المذكورة بمراعاتها تحت إشراف عصبة الأمم التي كان يحق لها النظر، عبر مجلس الوصاية التابع لها، في المخالفات والانتهاكات التي تتعرض لها الأقليات. وأصدرت الجمعية العامة لعصبة الأمم عام 1933 قراراً تتمنى فيه على الدول غير الموقعة على نظام حماية الأقليات مراعاة قواعد العدل في معاملتها للأقليات الخاضعة لسيادتها . عند إنشائها، لم ينص ميثاق الأمم المتحدة بشكل واضح على مواد خاصة بحماية الأقليات بل اكتفت بما ورد من مفاهيم في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الصادر في 10 / 12 / 1948. إذ تنص المادة (55) على أن الأمم المتحدة تعمل على (أن يشيع في العالم احترام حقوق الإنسان والحريات الأساسية للجميع بلا تمييز بسبب الجنس أو اللغة أو الدين)). ويفسر تحاشي ميثاق الأمم المتحدة ذكر الأقليات صراحة إلى بروز مفاهيم سيادة الدولة بقوة واسعة بحيث يمكن أن يعتبر ذكر الأقليات أو حمايتها تدخلاً في الشؤون الداخلية ومدعاة لزعزعة استقرار الدولة إذا ما قامت دولة أجنبية باستخدام الارتباطات القومية والدينية والمذهبية مع أقلية تقيم في بلد آخر. ومن هذا المنطلق رأت الأمم المتحدة قضية حماية الأقليات من اختصاص الدولة نفسها التي تعتبر تلك الأقلية من رعاياها. يضاف إلى ذلك أن قيام أنظمة ديمقراطية حقيقية في بلدان العالم هو أفضل ضمان لحماية الأقليات في تلك البلدان. ولم يمض أقل من عقدين من الزمان حتى اضطرت الأمم المتحدة إلى التأكيد صراحة على حماية الحقوق الأساسية للإنسان ومنها حقوق الأقليات، خاصة بعد افتضاح الممارسات الفظيعة لنظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا، والرفض العالمي للممارسات الوحشية ضد مجموعات عرقية أو دينية أو قومية. ففي 20 /11 /1963 صدر إعلان الأمم المتحدة للقضاء على جميع أشكال التمييز العنصري. والمادة (27) من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية و السياسة الصادر في 16/ 12 /1966شكلت تقدما في حماية الأقليات عما سبقها , من الإشارة الواضحة للأقليات . و في 18 / 12 / 1992 أصدرت الأمم المتحدة (إعلان بشأن حقوق الأشخاص المنتمين إلى أقليات قومية أو أثنية أو دينية أو لغوية). إذ أكد الإعلان على جميع المواثيق الدولية المتعلقة بحقوق الإنسان والحقوق المدنية والسياسية ومنع جرائم الإبادة البشرية ومنع جميع أشكال التمييز ضد المرأة والطفل. ورأت الأمم المتحدة أن تعزيز وحماية حقوق الأشخاص المنتمين إلى أقليات قومية أو أثنية أو دينية أو لغوية يسهمان في الاستقرار السياسي والاجتماعي للدول التي يعيشون فيها حقوق لأقليات في الإعلان الخاص به وهو الإعلان بشأن حقوق الأشخاص المنتمين إلى أقليات قومية أو أثنية و إلى أقليات دينية و لغوية . أعتمد بموجب قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة برقم 47/135 بتاريخ 18 ديسمبر 1992 وجاء في ديباجته ( إن الجمعية العامة , إذ تؤكد من جديد أن أحد الأهداف الأساسية للأمم المتحدة , كما أعلنها الميثاق , هو تعزيز حقوق الإنسان و الحريات الأساسية و التشجيع على احترامها بالنسبة للجميع , دون تمييز بسب العرق أو الجنس أو اللغة أ, الدين , وإذ ترغب في تعزيز إعمال المبادئ الواردة في الميثاق , و الإعلان العالمي لحقوق الإنسان , واتفاقية منع جريمة إبادة الأجناس و المعاقبة عليها , و الاتفاقية الدولية للقضاء على جميع أشكال التمييز العنصري , و العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية و السياسية , والعهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية , والإعلان المتعلق بالقضاء على جميع أشكال التعصب و التمييز القائمين على أساس الدين أو المعتقد , وكذلك الصكوك الدولية الأخرى ذات الصلة التي اعتمدت على الصعيد العالمي أو الإقليمي و تلك المعقودة بين الآحاد من الدول الأعضاء في الأمم المتحدة , وإذ تستلهم أحكام المادة 27 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية و السياسية المتعلقة بحقوق الأشخاص المنتمين إلى أقليات أثنية أو دينية أو لغوية , وإذ ترى أن تعزيز و حماية حقوق الأشخاص المنتمين إلى أقليات قومية أو أثنية و إلى أقليات دينية و لغوية يسهمان في الاستقرار السياسي و الاجتماعي للدول التي يعيشون فيها , وإذ تشدد على أن التعزيز و الإعمال المستمرين لحقوق الأشخاص المنتمين إلى أقليات قومية أو أثنية وإلى أقليات دينية ولغوية , كجزء لا يتجزأ من تنمية المجتمع بأسرة ….) ويمكن تقسيم المواد الواردة في الإعلان إلى : أولاً : حقوق الأقليات الخاصة ثانياً:التزامات و توجيهات تقع على الدول في حماية وجود الأقليات ثالثاً:التزامات تقع على الأسرة الدولية في تعزيز حماية الأقليات رابعاً :القيود و المعايير الدولية لهذه الحماية أولاً : حقوق الأقليات الخاصة الحقوق الخاصة : ليست الحقوق الخاصة امتيازات , وإنما تم منحها للأقليات بناء على اعتبارات هامة و جوهرية , يسمح للأقليات بالحفاظ على هويتها و خصائصها و تقاليدها . وكذلك منح حقوق خاصة من أجل تحقيق مبدأ المساواة في المعاملة معهم وبالتحديد عدم التمييز. ولن تصل الأقليات إلى التكيف في المجتمع الذي تعيش فيه و تشعر بالمواطنة الكاملة , إلا عندما تكون قادرة على استخدام لغاتها الخاصة , و الاستفادة من الخدمات التي تنظمها بنفسها والمشاركة أيضا في الحياة السياسية و الاقتصادية للدول . و التفرقة في معاملة هذه المجموعات أو في معاملة الأفراد الذين ينتمون إليها تكون مبررة إذا كان الغرض من ممارستها هو تعزيز المساواة الفعلية و تحقيق رفاه المجتمع ككل , وربما هذه الحقوق الخاصة قد تحتاج إلى فترة زمنية طويلة , ولكن لابد أن يتسنى لمجموعة الأقليات الاستفادة من المجتمع على قدم المساواة مع الأغلبية .
المادة الثانية الفقرة / 1 من الإعلان نصت على حقوق الأقليات منها:
1-الحق في التمتع بالثقافة الخاصة : للأقليات القومية أو الإثنية و الأقليات اللغوية أو الدينية , التمتع الكامل بثقافته الخاصة , في إطار الثقافة العامة للدولة , لأن وجود ثقافة سياسية أو وطنية شاملة لعموم أبناء الجماعة الوطنية ( جميع سكان الدولة ) , لا يعنى في الوقت نفسه تماثل جميع عناصرها بالنسبة إلى سائر أفراد الجماعة , إذ هناك دائما هامش للاختلاف أو التباين الثقافي , تفرضه عوامل طبيعية , مثل اللغة , الديانة , العرق , وغير ذالك , أو عوامل اجتماعية , مثل الطبقة الاجتماعية التي ينتمي إليها الفرد , وعلاقة ذلك بالمستوى الاقتصادي و الحالة التعليمية , إضافة إلى العوامل الجغرافية , مثل وضع أية جماعة فرعية داخل الدولة بحكم الإقليم الذي تنتمي إلية. وهذا يعني أن لأية جماعة فرعية , داخل إطار الدولة الواحدة , ثقافتها الثانوية أو الفرعية الخاصة . أي الثقافة التي تختلف عن الاتجاهات الثقافية المسيطرة بين عموم أبناء الجماعة الوطنية الواحدة و علما بأنه لا تكاد تخلو جماعة وطنية في العالم - مع وجود استثناءات قليلة - من وجود ثقافات ثانوية أو فرعية بين ظهرانيها …ومما تجدر الإشارة إلية , القول , إن لمثل هذه الثقافات الفرعية , ولاسيما تلك التي تتعلق بثقافة الأقليات , علاقة وثيقة , بطبيعة الوحدة الوطنية القائمة على كيان سياسي ,( لأنها قد تفعل أثرها باتجاه معاكس لاتجاه الثقافة الوطنية العامة , بحيث إن الاستقرار الذي يفهم على أساس أنة منبعث عن ثقافة مشتركة قد يفتقد . وقد يتعرض الشعب إلى ضغوط تتعاكس في ما بينها متأتية عن أنماط السلوك التي تفرضها الثقافات الفرعية , و أنماط السلوك التي تتطلبها الثقافة الوطنية الأوسع ). وهذا ما قد يؤدي في بعض الحالات إلى التعارض ما بين الانتماءات الخاصة و الانتماء الوطني , وعلى أي حال , فإن وجود ثقافات فرعية ( خاصة للأقلية) , ضمن الثقافة الوطنية أو السياسية السائدة , لا يمكن أن يؤثر سلبا- في كل الحالات - في تماسك الجماعة الوطنية أو تلاحمها, ولا يقوض دوما وحدتها الوطنية , فمثل هذا التنوع الثقافي إن أحسن توظيفه , فإنه لن ينال من الثقافة الوطنية الشاملة الواحدة أو الموحدة , بل على العكس قد يثريها ويغنيها , لاسيما أن مثل هذه الثقافات الفرعية ( الخاصة ) , لايمكن لها أن تكون - وفي أكثر الحالات - ( إلا ثقافات محدودة الأثر و مقتصرة على تنظيم العلاقات و السلوكيات الاجتماعية و الفردية في الميادين الخارجة عن إطار السلطة المباشرة . بينما ستبقي الثقافة العامة (العليا) , هي ثقافة السلطة , والصعيد الثقافي الموحد إذن لكل الجماعة . عندئذ يصبح انتماء الأفراد أو النخبات المحلية إلى الثقافة العامة , هو قاعدة الوصول إلى السلطة , أو المشاركة فيها , وهو مصدر الصعود الفردي و تحسين شروط المعيشة و الحياة و الترقي . هكذا تفرض الثقافة العامة ذاتها أيضا وتتطور بقدر استمرار نموها كثقافة الدولة و السلطة , وبقدر ما تتضمن من امكانات يزداد الانتماء الفردي لها , ويزداد تطورها كثقافة مشتركة " بين الأغلبية و الأقلية" جامعة , بينما لا تكف الثقافات الدنيا ( الفرعية) عن التدهور و الانحطاط) أو التراجع . أو على الأقل , يضعف تأثيرها , ويضمحل تناقضها مع الثقافة الوطنية " الرئيسة" , بحيث لا تعود تؤثر سلبا , في استمرار وتماسك الوحدة الوطنية لعموم أعضاء الجماعة الوطنية , ويرتبط ذلك , بمدى تقدم الجماعة الوطنية , وتخافها على صعيد البنى القانونية و الاجتماعية والاقتصادية و السياسية . ففي معظم الدول المتقدمة التي استطاعت أن تحقق وحدتها الوطنية وأن تبني مؤسسات سياسية مستقرة , استطاعت بخطى مواز لذلك تطوير ثقافة وطنية شاملة وقوية ومشتركة بين عدد كبير من الموطنين , ويمكنها ذالك من أن تتعايش الثقافات الفرعية ( الخاصة ) بالأقليات مع الثقافة الوطنية للأغلبية المسيطرة . ومن المعروف أن التعايش لا يعني الاندماج , ولذلك فإن الخصائص الذاتية للثقافات الفرعية و والخصائص العامة للثقافة الوطنية تظل في حركة دفع وجذب , أو بعبارة أخرى في حركة تلاحم أو تنافر , وبحكم قوة تماسك بنى المجتمعان المتقدمة فإن عناصر التلاحم أشد وأقوى من عناصر التنافر .. في سويسرا , مثلاً , توجد ثلاث ثقافات فرعية ( خاصة) أساسية و هي الثقافة الألمانية و الثقافة الفرنسية و الثقافة الإيطالية , وفي الوقت نفسة توجد على وجه الإجمال ثقافة وطنية سويسرية مشتركة بين جميع سكان سويسرا ) . في حين نلاحظ أن دول العالم الثالث تعاني إشكالات عديدة , على صعيد ثقافتها الوطنية وعلاقة ذلك بثقافاتها الفرعية ( الخاصة ) , حيث الأقليات من السكان عاجزة عن الوصول إلى حد أدنى من الاتفاق حول القيم و الغايات الأساسية للمجتمع السياسي , ووسائل بلوغها , وأساليب و إجراءات تسوية الصراع الداخلي , أي بمعنى غياب ثقافة الرضا أو ثقافة الإجماع , وهي الثقافة القائمة في بعض جوانبها , على التوفيق و الحلول الوسطية و الاعتدال والمهادنة , بين مختلف الجماعات - الأغلبية و الأقلية- داخل إطار الجماعة الوطنية الواحدة ( داخل الدولة الواحدة ) … وهي لاشك من المقومات الأساسية للمجتمع الديمقراطي القائم على أساس الحوار و المشاركة السياسية . ولكن , وبقدر الإمكانيات المتوفرة لكل دولة , ينبغي على الدول , التي تعيش فيها أقليات أن لا تمنع هذه الأقليات من التمتع بثقافتها الخاصة , وهذه الثقافة هي في الأصل , ثقافة وطنية فرعية , تضيف إلى الثقافة العامة لونا خاصا من الموروث الوطني الأصيل , وهي في الغالب لا تتعارض معها , بالقدر الذي قد تتعايش معا لأجيال عديدة , دون أن يحدث صراع بينهما , ولا يحدث التماس إلا بتدخل طرف ثالث و يعمل على شق التآلف بين الجماعات , وزعزعة الاستقرار الوطني . فإذا سلامنا بوجود ثقافة عربية شاملة لكل العرب , من مسلمين ونصارى وأقباط ومارونيين وغيرهم , في الوطن العربي , وكذلك بوجود ثقافة إسلامية لكل المسلمين , من عر ب وأمازيق و ترك وزنوج و نوبيين و أكراد وشراكس وغيرهم من الأقليات, في الوطن العربي , يمكن القول أن العالم العربي له ثقافة عربية إسلامية مزدوجة شاملة. وهذه الثقافة لا تمانع في تمتع الأقليات غير العربية وغير الإسلامية من التمتع بثقافتها , وألا كيف يمكن تفسير , بقائها إلى يومنا هذا و منذ أكثر من ألاف عام سادت فيها الدولة الإسلامية . لان ما حصل في أمريكا ( الشمالية و الجنوبية) من الإبادة الجماعية للسكان الأصليين ( الأزتك و المايا والهنود الحمر وغيرهم) لا خير شاهد تاريخي على العنصرية الأوربية , التي تعطي الحق للأبيض بسحق غيره , لأنة ليس أهل للحضارة و ليس لدية ثقافة تجاري أو حتى تقترب من ثقافة الغاب ( البقاء للقوى ) التي أعتمدها الأسبان في طمس الهوية الثقافية للسكان الأصليين , فأصبحت البلاد خالية من ثقافته بل وتم القضاء نهائيا على الهنود و الجواميس الوحشية , بحجة أنهما يشكلان تهديدا دائما , على الرجل الأبيض في أمريكا . ونفس السيناريو تكرر في استراليا ونيوزلندا وسيبريا , ومن نفس الثقافة , التي تحارب اليوم الإسلام , بحجة أن الإسلام لا يؤمن بوجود الآخر و التعايش معه في عالم واحد , والواقع أن المسلمين وعلى مدار العالم , يعانون الأمرين , من الأنظمة التي تدعي التسامح , تمارس على مواطنيها المسلمين التمييز و التفرقة العنصرية و التعصب الديني , وتحرم عليهم التمتع بثقافتهم الخاصة . 2-إعلان و ممارسة دينهم الخاص : كان للدين ولا يزال , دورة الواضح في حياة الشعوب و الجماعات الوطنية المختلفة ( الأغلبية أو الأقلية الدينية ) على مدى الفترات المتعاقبة , ولعل هذا الدور قد جاء في ظل مجموعة من المتغيرات الاجتماعية و الحضارية , مع كل حقبة من حقب التاريخ , التي مرت بها تلك الجماعات . حيث كانت " الفكرة الدينية لدى القدامى المبدأ الملهم و المنظم للمجتمع , وفي زمن السلم كما في زمن الحرب , كان الدين يوجه الأعمال جميعا . كان كلي الحضور , يطوق الإنسان من كل جانب , و كان كل شيء : الروح و الجسد , الحياة الخاصة و الحياة العامة , المأكل و الأعياد و المحافل و المحاكم و المعارك , يخضع لسلطان ديانة الحاضرة , كان الدين هو الناظم لأفعال الإنسان , و المرجع الأول والأخير , لكل ما يأتيه في كل لحظة من لحظات حياته , ومعيار عادته و أعرافة , وكان في تحكمه بالكائن الإنساني , مطلق السلطان فما كانت تقوم قائمة لشيء خارج إطاره" .ويبقى للدين مثل هذا التأثير في بعض المجتمعات في الوقت الحاضر , و من هذه المجتمعات الأقليات , فلا يزال قسم كبير من حضارات و ثقافات الأقليات في العالم مرتبطا بأديانه: الإسلام و المسيحية , ومعتقدات وثنية و فلسفية , حيث يتقدم الدين كمفهوم للعالم و إطار للحياة اليومية , و أساس لحضارة كاملة, ذلك أن الممارسة الدينية لا تفرض على الجماعات البشرية , عقائد و طقوسا دينية فحسب , بل كذلك , وإلى حد ما , مـأكلها و ملبسها و مسكنها , و أنها تضبط الجماعات البشرية " وتعودها على نظام معين بمالها من تأثير دائم شبه لا محسوس " . وهذا ما يقود في كثير من الحالات إلى تداخل مظاهر السلوك الديني أو الممارسة الدينية مع الجوانب الأخرى و المهمة للسلوك الإنساني , إلى درجة انه يصعب التمييز لدى بعض الجماعات بين ما هو ديني فيها عن غيره . إن وجود أكثر من دين واحد بين كيان الدولة . مع انتماء الأغلبية إلى دين معين , يؤدي إلى ظهور أقلية أو أقليات دينية بين أفراد تلك الجماعة الواحدة , أي بمعنى اشتراكهم في دين يختلف عن دين الأكثرية , ودون أن يترتب على مثل هذا الاختلاف صراع في كل الأحوال , ذلك أن وجود الأقليات الدينية , إنما يعد ظاهرة طبيعية و اعتيادية في معظم المجتمعات البشرية , ذلك أن مثل هذه الظاهرة ليست معروفة فقط عند هذه المجتمعات فحسب , وإنما هي قديمة قدم تلك المجتمعات . وذلك يعود إلى ظهور عدد من الأديان السماوية مثل اليهودية و المسيحية , و الإسلام , وعدد لا يحصى من الأديان الوضعية مثل الهندوسية و البوذية وغيرها, ذلك أن ظهور دين جديد لم يكن يحجب الديانة أو الديانات السابقة عليه تماما , إنما كانت تظل بعض الجماعات المتفرقة على سابق إيمانها , مما يؤدي إلى ظهور الأقليات الدينية , والمادة 6 من الإعلان المتعلق بالقضاء على جميع أشكال التعصب و التمييز القائمين على أساس الدين أو المعتقد , فصلت ما يشل الحق في حرية الفكر أو الوجدان أو الدين أو المعتقد , كما مر سابقا …, 3- الحق في استخدام لغتهم الخاصة , سرا وعلانية : الأقليات اللغوية , تلك الجماعة أو الجماعات الفرعية من سكان دولة ما , و التي تتكلم لغة , أو لغلت تختلف عن الأغلبية , وعادة ما تسمى هذه اللغة , والتي يجد المرء نفسة يتحدث بها مع أفراد عائلته منذ الولادة , باللغة الأم , أي بمعنى اللغة الأصلية للفرد أو الجماعة , خلال مراحل الحياة المختلفة , أو بحكم الواقع اللغوي للجماعة , وأبرز مثال لذالك الفرنسية التي أصبحت اللغة الأم لكثير من الشعوب الإفريقية , وفي العالم العربي , الأقليات البربرية في أقطار المغرب العربي , هم يتحدثون بلغتهم الأم , ويجيدون العربية نطقا و كتابة , باعتبارها اللغة الوطنية , إضافة إلى إجادة البعض منهم اللغة الفرنسية , باعتبارها لغة الدولة التي كانت تستعمر أقطار المغرب العربي ردحا من الزمن , وما اعتمدتة من وسائل عديدة لإرغام المغاربة على تعلمها . مع الأخذ بنظر الاعتبار , أن قسما كبيرا من أبناء الأقليات اللغوية , لا يعرفون , سوى لغتهم الأم , وهذا ما يلاحظ في الدول المتقدمة . فهناك , مثلا , عدد كبير من أبناء الأقلية الويلزية في بريطانيا , لا يعرفون الإنكليزية , بل إنهم ينظرون إلى من لا يجيد الويلزية من أبناء ويلز , بنظرة ازدراء عن اعتبارهم من درجة أدنى أو مرتبة أقل . ولان اللغة هي القاسم المشترك الذي يكفل التواصل بين أعضاء الأقلية , ومن خلال هذه الأهمية تحظى اللغة باعتبار أنها تشكل الأساس الثقافي للأقلية . وهي تعبر عن تجربة تاريخية مشتركة لهذه الأقلية , وتمثل موجزا للشعور بانتماء واحد , للمشاركة في ذكريات واحدة , وتراث ثقافي واحد , كما أنها أداة التفكير , إذ يستحيل التفكير بغير لغة , ولكل هذه الخصائص , وغيرها , فإن حرمان الأقلية من استخدام لغتها الخاصة بحرية و بدون قيود , ولا رقابة , يعنى القضاء على ثقافة هذه الأقلية . ولهذه , ووفقا لهذا الإعلان , فاستخدام لغة الأقلية يبدأ , عندما يتم الاعتراف الرسمي بحق الأقلية في الاحتفاظ بلغتها الخاصة . واعتبار لغات الأقلية لغة وطنية , تحظى بالرعاية و الاهتمام من الدولة , فعند ذلك لا تقوم الدولة بقمع , الأقلية اللغوية و عندما تسمح لها بالتخاطب بلغتها في الأمكان العامة , وفي المناسبات المختلفة , مثل الاحتفالات الشعبية و الأعياد الخاصة بها وكذلك مراسيم الزواج . وكذلك , ممارسة لغتهم الخاصة , في وسائل الإعلام المختلفة , من مسموعة و مرئية و مكتوبة و إلكترونية وغيرها و وبكل حرية , وبدون أي نوع من التمييز. عند ذلك تكون الأقلية اللغوية تمتعت بحقوقها في ممارسة لغتها الخاصة تمتعا كاملا , وحافظت على هويتها. 4-الحق في المشاركة الفعلية , في الحياة الثقافية و الدينية و الاجتماعية و الاقتصادية و العامة . فجوهر الحرية الثقافية هو إعطاء الناس حرية اختيار هويتهم - وعيش الحياة التي يقدرونها حق قدرها - دون استبعادهم من خيارات أخرى هامة لهم ( مثل الخيارات المتعلقة بالتعليم و الصحة و الوظيفة ) . و توجد عمليا صيغتان للاستبعاد الثقافي : أولاهما الاستبعاد من النمط الحياتي الذي يرفض الاعتراف و القبول بأسلوب حياة تريد مجموعة أن تختاره , و الذي يصير على وجوب عيش الأفراد مثل الآخرين تماما في المجتمع . الصيغة الثانية : هي الاستبعاد من المشاركة عندما يتعرض الناس للتمييز ضدهم أو يعانون إجحافا في الفرص الاجتماعية و السياسية و الاقتصادية بسبب هويتهم الثقافية . إن كلتا هاتين الصيغتين من الاستبعاد منتشرتان على نطاق واسع , عبر كل قارة , وتقدر مجموعة بيانات الأقليات المعرضة للخطر , وهي مشروع معلومات بحثية تشمل قضايا متعلقة بالاستبعاد الثقافي درست وضع الأقليات المعرضة في العالم أجمع و أن نحو بليون شخص - أي ما نسبته نحو شخص واحد بين كل سبعة في العالم - ينتمون على مجموعات معرضة لنوع ما من صيغتي الاستبعاد , من النمط الحياتي أو من المشاركة , وهو ما لا تتعرض مجموعات أخرى في الدولة له . كثيرا ما يتداخل الاستبعاد من طريقة العيش مع الاستبعاد الاجتماعي و الاقتصادي و السياسي , عبر التمييز و الإجحاف في التوظيف و الإسكان و التعليم و التمثيل السياسي . ففي النيبال , تبلغ نسبة وفيات الأطفال دون الخامسة بين طبقات المهنيين أكثر من 17% بالمقارنة مع نحو 7% بالنسبة للنورانيين و البرهميين , وفي صربيا و الجبل الأسود , تبلغ نسبة أطفال غجر الروما الذين لم يذهبوا قط إلى المدرسة 30% . . ولهذا نصت المادة 2 الفقرة 2 ( يكون للأشخاص المنتمين إلى أقليات الحق في المشاركة في الحياة الثقافية والدينية و الاجتماعية و الاقتصادية العامة مشاركة فعلية ) و هي من حقوق الأقليات , التي نص عليها الإعلان . 5-الحق في المشاركة الفعالة على الصعيد الوطني و الإقليمي . ونظرا , للاهت






















